 الاتحاديون محصنون ضد كل ضربات المزاج أو هواجس الذات أو أحلام اليقظة، وأساليب التغليط والتحريض والشعبوية
حكم ذاتي في إطار السيادة الوطنية على االصحراء هو أقصى ما يقدمه المغرب
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخوات والإخوة أعضاء المجلس الوطني، يسعدني باسم أخواتكم وإخوانكم بالمكتب السياسي أن أرحب بكم في هذا الاجتماع الثاني للمجلس الوطني كأعلى مؤسسة حزبية بعد المؤتمر وفي هذه الدار التي ستحتضن نشاطنا من الآن فصاعدا· هذه الدورة التي قررنا أن تحمل اسم الشهيد المهدي بن بركة الذي نحيي ذكرى اختطافه هذه الأيام، تحت شعار "من أجل إجلاء الحقيقة كاملة"· ووعيا منا بأن مسلسل المصالحات الذي تعيشه بلادنا، لن يستقيم إلا بإنصاف الشهيد وذلك بالاعلان عن الحقيقة الكاملة في ما يتعلق باختطافه واغتياله منذ أربعين سنة خلت· وهو ما ظل الحزب يطالب به دوما وفي كافة المنتديات، وآخرها الشكاية المقدمة إلى قاضي التحقيق بالرباط، بغية الاستماع إلى الشهود والمشبوهين أو الذين لهم علاقة بواقعة الاختطاف، والذين مازالوا أحياء، ونعتبر أن قبول وزارة العدل للإنابة الدولية لقاضي التحقيق الفرنسي تستلزم تعاون كل الأطراف التي لها علاقة بواقعة الاختطاف والاغتيال· وكل تماطل أو تسويف سيؤدي إلى التضليل والتستر عن الحقيقة، وهو ما يتناقض مع ما اختارته البلاد، وذلك بتعيين جلالة الملك لهيئة الإنصاف والمصالحة والتي أكد جلالته في حفل تنصيبها على ضرورة اشتغالها وبحثها عن الحقيقة، لأن اللمصالحة لن تؤسس إلا بالإنصاف، والإنصاف لن يتأتى إلا بعد التعرف على الحقيقة· وإذا كنا سجلنا الكشف الرسمي من طرف هيئة الإنصاف والمصالحة عن أماكن دفن رفات خمسين من ضحايا الاختطاف القسري والانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، ومن بينهم اتحاديات واتحاديون بأكدز وقلعة مكونة وتاكونيت، فإننا نتممنى أن تحظى رفات شهيدنا الكبير بقبر ليتمكن المغاربة من الترحم على روحه الطاهرة· وفي الوقت الذي سيتم إحياء الذكرى الأربعين بباريس نتوجه بالتحية لصديقنا دولانوي، عمدة باريس الاشتراكي الذي سيدشن ساحة بالحي اللاتيني تحمل اسم المهدي بن بركة· إننا ونحن نخلد هذه الذكرى لابد أن نستحضر جميعا روح فقيدنا الذي شهد له التاريخ بالأدوار الريادية التي لعبها داخل حركة التحرر العالمي وداخل حركة التحرير الشعبية ببلادنا، سواء في الفترة الاستعمارية أو بعد الاستقلال لخلق شروط الانتقال الديمقراطي وبناء دولة المؤسسات، والتأسيس لثقافة سياسية تقوم على إشراك المواطنين في الحياة السياسية، ومراقبتهم للشأن العام وصولا إلى دولة الحق و القانون· إن ما رسخه فينا الشهيد وما تعلمنا منه جميعا، سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، مما تعلمته الأجيال المتعاقبة في حزبنا منذ انطلاق انتفاضة 25 يناير 1959 من القائد المؤسس المهدي بن بركة، يفرض علينا اليوم مواصلة حمل المشعل، باعتبار الحزب الحامل لرسالة تاريخية وفاء له أولا ووفاء لكل القادة والمناضلين الذين ضحوا من أجل حزبنا وبلدنا وخدمة للمصالح العليا للبلاد· أخواتي إخواني، نفتتح اليوم الدخول السياسي باجتماعنا هذا، بعد أن كان لنا شرف ختمه في السنة الماضية بالنجاح الباهر الذي عرفه مؤتمرنا الوطني السابع، والذي انعقد تححت شعار "معا من أجل بناء المغرب الحديث"· إن الأجواء التي مر فيها المؤتمر أظهرت بجلاء للرأي العام المواكب لتطورات الحياة السياسية في بلادنا جملة من الحقائق التي لايمكن الاختلاف عليها أو إنكار دلالاتها العميقة· ـ أولى هذه الحقائق: أن القاعدة الاتحادية العريضة لها من النضج والفعالية ماا يجعلها محصنة ضد كل أنواع الممارسات الشعبوية، سواء منها التي اتخذت صورة المزايدات اللفظوية الخطابية، أو التي نهجت أسلوب التغليط والتحريض، وقلب صورة الوقائع والأحداث· وهكذا أسقطت الاتحاديات وأسقط الاتحاديون في المؤتمر الوطني السابع كل المراهنات على جر الحزب إلى تبني مواقف مناقضة للرؤى والتوجهات الاستراتيجية التي أسس لها المؤتمر الوطني السادس· ـ ثاني هذه الحقائق: أن تحصين الاتحاديين هو نتاج لتجربة غنية أطرتها استراتيجية النضال الديمقراطي سواء في مجال تحديد الاختيارات أو السهر على تنفيذها، مما أكسب الحزب ثقافة سياسية وتنظيمية اغتنت على امتداد أزيد من ثلاثة عقود بدروس الممارسة وملابساتها والاحتكاك اليومي والمباشر بهموم الناس وقضاياهم، بانتظاراتهم وتطلعاتهم، في إطار نسق سياسي يربط بين التحليلات والبرامج والأفكار، وبين الواقع الملموس، ولايراها فقط في انسجامها النظري الصوري الداخلي، إطار مرجعي يربط بين القناعات والممارسات، بين النظرية والواقع، بين الظاهر والباطن في المسلكيات والتحركات· ـ ثالث هذه الحقائق: التي أبرزها المؤتمر أن الاتحاديين ماضون في التعبئة من أجل استكمال مسلسل الانتقال الديمقراطي، وتعضيد مساره لصالح مستقبل البلاد بثقة وأمل، مقدرين للمسافات السياسية والزمنية الفاصلة بين الطموح والممكن، مستوعبين لشروط المرحلة ودقتتها، واعين بحجم الرهانات وطبيعة الاكراهات وحاشدين الهمة والعزم لحماية تجربة يعتبرونها مفتاح الاطلالة على المستقبل بالنسبة لبلادنا· ومما لاشك فيه أن الاتحاديين واعون أن هذه المقاربة لا مجال فيها لضربات المزاج أو هواجس الذات أو أحلام اليقظة· وقد كان المؤتمر بحق شهادة حية تقيم الدليل على سلامة الذات الاتحادية والدليل على أنها مازالت في قلب المشهد الوطني وقلب معركة الاصلاح والتغيير· ـ رابع هذه الحقائق: أن المؤتمر كان تتويجا لنقاش حقيقي بدأ عند التحضير له بواسطة المنتديات الوطنية التي توخى منها الحزب الانفتاح على المجتمع، والمناقشات التي عرفتها مشاريع التقارير في التنظيمات الاتحادية عمودية أو أفقية لافقط حول القضايا الحزبية الداخلية، بل امتدت لتشمل أهم القضايا المستأثرة باهتمام الرأي العام الوطني، سواء ما تعلق منها بإعادة الاعتبار للمشروع النظري والبحث في العلاقة الجدلية ما بين اختيارنا الاشتراكي الديمقراطي والحداثة، وكذا السياق الدولي لاختيارنا الاشتراكي أو العولمة والحاجة إلى نقد المفاهيم، والمشروع المجتمعي الديمقراطي الاشتراكي البديل في علاقته بالدولة أو بالجانب الاقتصادي والاجتماعي أو بالهوية الثقافية واللغوية والمسألتين النسائية والشبيبية ودور المجتمع المدني، وسواء ما تعلق منها بالجوانب المرتبطة بالظرفية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاداء الحكومي وآليات التواصل والحوار، وحصيلة الاصلاحات الاقتصادية والمالية والادارية ومجال الحقوق والحريات، وعموما كل ما يرتبط بحصيلة العمل الحكومي خلال السبع سنوات الماضية· لقد تبين أن الاتحاديين وهم يناقشون هذه القضايا يميزون بين الاسئلة الحقيقية والاسئلة المزيففة، بين الحقائق المدعومة بالارقام والوقائع، وبين ما يدعيه محترفو الهدم والديماغوجية· إن التمييز بين النقد البرنامجي وبين السفسطة، هو ما يعطي للسياسة بعدها الانساني النبيل باعتبارها حقلا ومجالا للتداول حول ما يهم حاضر المواطنين ومستقبلهم وذلك بمقابلة البرامج والبدائل والحلول· إن هذذا التمييز هو ما يقدم الممارسة السياسية، وينأى بها عن الصراع، ولسنا في حاجة إلى التأكيد على حجم العاهات والتشوهات التي خلقتها هاته الممارسات السلبية في جسمنا السياسي المغربي· لقد كان المؤتمر محطة لمناقشة القضايا وتمحيصها ومصارحتها حتى تكون الاجوبة التي يصوغها أجوبة جماعية متأنية، تجمع بين الحس الواقعي للممارسة والروح الكفاحية التطوعية للمناضلين· ومن هذا الباب طرح المؤتمرون جل الاسئلة التي يطرحها الراهن المغربي، بدون قفز على الواقع ولكن أيضا بدون محاولة تفادي الحقائق التي يعيشها الشعب المغربي· ـ خامس هذه الحقائق: يبرزها النضج الكبير الذي أظهره الاتحاديون خلال انتخابهم لأجهزتهم، سواء في الترشيح أو في التصويت وفي كل العمليات الانتخابية التي أفرزت المجلس الوطني والمكتب السياسي، والتي أكد كل الملاحظين على الشفافية التي طبعتها· وهو شيء لا نظير له في الحياة الحزبية المغربية، فقد كرس المؤتمر من حيث المبدأ والمممارسة، القيادة الجماعية القوية الموحدة ذات الشرعية الديمقراطية، ولابد لي هنا من أن أحيي الروح العالية التي تميز بها نقاش المؤتمرين، نساء ورجالا وشبابا لسير أجهزتهم الوطنية، كما أحيي فيهم روح التنافس على المسؤولية والقبول بالديمقراطية كوسيلة وهدف في حد ذاته لاختيار من يمثلهم· وفيي كلتا الحالتين أثبت الاتحاد أنه خزان للطاقات الخلاقة وفضاء غني ومتعدد من الاطر القادرة على تحمل المسؤولية والنجاح فيها· وبذلك فإن موعده مع التاريخ كما هو موعده مع المستقبل، هو من صميم قدر هذه النخب وقدرتها على التجدد والعطاء والانحياز إلى الشعب المغربي· لقد أجاب الاتحاديون عن النقاش الصاخب والمفتعل من طرف الخصوم من خلال النضج الكبير الذي أظهروه، نضج يجعل الاتحاد اليوم مطمئنا إلى كونه يتقدم خطوات حاسمة في مسلسل ومسار يتطور ويتحول نحو نموذج حداثي لحزب اشتراكي ديمقراطي كبير ومتجذر قادر على استقطاب الكفاءات والطاقات· ـ سادس هذه الحقائق التي أكدها المؤتمر وأكدتها نتائج انتخابات الاجهزة الوطنية أن الاتحاديين منفتحون على الفئات والفعاليات الاجتماعية التي تجد ذاتها موضوعيا في برنامج الاتحاد واختياراته، وهي فئات تتوسع باستمرار لأن المشروع الاتحادي اليوم هو مشروع انتقال ديمقراطي، يتجاوز حدود التصنيفات الطبقية والفكرية المألوفة، مشروع ينبني على قيم الحوار والتشاور والثقة، مشروع مؤسس على أن السياسة في الوعي الجماعي المغربي اليوم هي جزء من حياة الناس، أي إنعاش لحياتهم في أكلهم وسكناهم وتربية أبنائهم وأنها لم تعد تستغرق كل حياتهم بالألم والمعاناة والدموع، وهو ما دعا الاتحاديين في المؤتمر الوطني السابع إلى تسهيل مسطرة الانخراط والعضوية وتتسهيل الأمر على من يشاطرنا أهدافنا ومبادئنا وقيمنا للالتحاق بصفوفنا انطلاقا من المفهوم المشار إليه آنفا مما يستدعي فتح حملة واسعة للانخراط· أخواتي إخواني، إن منهجية العمل التي تحكمت في أشغال المؤتمر الوطني السابع، والتي أشرنا إلى بعض الحقائق التي أفرزتها هي ما يساعد على إنتاج بررنامج العمل والقرارات والتوصيات الصادرة عن المؤتمر، سواء في شقها التنظيمي أو السياسي، وهو ما عمل المكتب السياسي منذ انتخابه على تفعيلها ومحاولة اخراجها للوجود· أولا: ففي ما يتعلق بالجانب التنظيمي فقد كانت مسألة الانفتاح التنظيمي هي النقطة التي استأثرت باهتمام جل المتدخلين في المؤتمر، الذين أكدوا تشبثهم بمختلف الصيغ والآليات المكرسة لسياسة الانفتاح في مقرر تفعيل الأداة الحزبية مع التأكيد على ضرورة ترشيده، والتوجه نحو الكفاءات النزيهة والفعاليات المتنوعة التي يزخر بها المجتمع· كل ذلك في إطار توازن بين الكم والكيف، مقررا في النهاية ضرورة وضع برنامج شامل لتنظيم حملات استقطابية تتوخى توسيع العضوية وتنميتها، مقترحا أشكالا تواصلية من قبيل القوافل المتنقلة والأبواب المفتوحة واللقاءات التعبوية· والمكتب السياسي يدعو الاخوة في الورشة التي ستجتمع حول تفعيل الأداة الى الخروج ببرنامج واضح بشأن الانفتاح التنظيمي· كما كانت مسألة الهيكلة الجهوية التي أقرها المؤتمر الوطني السابع هي الحدث التنظيمي الذي ميز حزبكم عن غيره من الأحزاب· لقد قرر المؤتمر ضرورة تنصيص النظام الداخلي على اختصاصات الهيئات الجهوية ودورية اجتماعاتها، موصيا بتدشين الدخول السياسي ببرنامج عمل تنظيمي ينطلق بعقد مؤتمرات جهوية تحت إشراف المكتب السياسي· فمن الثابت أن الاتحاد قد أببدع، كما اعتادت روحه الخلاقة ذلك، عندما خطا خطوته الجريئة من اعتماد الجهوية كأسلوب لاختيار ثلثي أعضاء المجلس الوطني، ومن المحقق أن المؤتمرين قد أدركوا أن الأسلوب الجديد سيقوي من مناعة الحزب وقدرته المؤسساتية وطنيا، كما سيعمل على توسيع مشاركة المناضلين في قرارات حزبهم· ولن تنحصرر الجهوية في طابعها التنظيمي الحزبي المحض، بقدر ما ستنعكس كذلك إيجابيا على استيعاب ضرورة توزيع السلط على المستوى الجهوي وعلى خلق النخب الجهوية القادرة على التأطير والمبادرة وإنجاح السياسات العمومية على المستوى الجهوي· كما أن خيار الاتحاد في هذا السياق يتماشى وطموحه العميق والدائم في وضع نفسه في خدمة خيارات البلاد على مستوى التتبع والتطبيق وسياسة القرب· ونود أن نخبركم أن المكتب السياسي قد وزع أعضاءه على مختلف الجهات، وستتوصل الكتابات الاقليمية بقرار المكتب السياسي في هذا الشأن، وسيكون على عاتقهم مع اللجن التحضيرية الدعوة للمؤتمرات الجهوية بدراسة ملامح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية على مستوى الجهات، والبدء في وضع اللبنات التنظيمية الجهوية وفق مقررات المؤتمر الوطني السابع· كما وزع المكتب السياسي المهام بين أعضائه تطبيقا لنفس المقرر، وذلك في شكل فرق عمل مكلفة إما بالإدارة الحزبية وإما بالمالية وإما بالإعلام أو المؤسسات المنتخبة أو بالقطاعات الحزبية أو بالتنظيمات الجغرافية الحزبية وقطاعي الشبيبة والنساء، أو بالعلاقات الخارجية أو بالبحث والتكوين والتأطير· ويقترح المكتب السياسي على الإخوة بالمجلس الوطني جدولة زمنية للمؤتمرات الجهوية على أن ننتهي منها في نهاية مارس 2006 لإطلاق عمل |